تتغير كرة القدم بسرعة لم تعهدها من قبل، حين يربك التغيير كبير أوروبا، تتحول الأسئلة إلى أزمة مفتوحة، كرة القدم لم تعد كما كانت؛ أموال تتضاعف، أنظمة تتبدل، وبطولات تُعاد صياغتها لتواكب إيقاع العصر، دوري أبطال أوروبا دخل مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا، بنظام موحد يفرض ثماني مواجهات متفاوتة الصعوبة ويجعل جدول الترتيب ساحة صراع مفتوحة بين 36 فريقًا، وسط هذا التحول، يجد ريال مدريد، صاحب الرقم القياسي في عدد الألقاب، نفسه للموسم الثاني تواليًا في دائرة الملحق، بعيدًا عن مقاعد الثمانية الكبار.
المفارقة أن النادي الذي اعتاد السيطرة على ليالي البطولة الكبرى، أصبح مطالبًا أولًا بإثبات جدارته في مرحلة حسابية صارمة لا تعترف بالهيبة، الفوز على بنفيكا في ذهاب الملحق يمنح أفضلية نسبية، لكنه لا يخفي حقيقة أن التأهل المباشر لم يعد أمرًا محسومًا كما كان، السؤال لم يعد عن قدرة ريال مدريد على الذهاب بعيدًا، بل عن سبب عجزه عن إنهاء المهمة مبكرًا وتفادي الطريق الإضافي.
النظام الجديد لا يعاقب فقط الهزائم، بل يعاقب التراخي، أي تعادل غير محسوب أو خسارة أمام خصم أقل اسمًا قد تدفع ثمنها في ترتيب عام لا يرحم، ريال مدريد، الذي اعتاد إدارة إيقاعه عبر المجموعات، أصبح مطالبًا بثبات أعلى واستمرارية أكبر، البطولة تحولت من اختبار لحظات إلى سباق نقاط طويل، ومن يفتقد الانتظام يدفع الثمن، مهما كان تاريخه.
ربما ينجح الملكي في تجاوز الملحق والمضي نحو الأدوار الإقصائية حيث تتوهج شخصيته المعتادة، لكن الأزمة تظل قائمة: هل تأقلم الفريق مع روح النظام الجديد؟ أم أن التحول كشف خللًا في عقلية التعامل مع مرحلة لم تعد تمهيدية بل حاسمة بحد ذاتها؟ بين أمجاد الماضي وضغوط الحاضر، يبدو أن ريال مدريد يخوض اختبارًا مختلفًا.. اختبار التكيف مع زمن لا يمنح امتيازات لأحد.
ما الذي تغيّر في دوري أبطال أوروبا؟
أعاد النظام الجديد رسم خريطة البطولة بالكامل، لم تعد هناك مجموعات تقليدية من أربعة فرق، بل مرحلة رئيسية تضم 36 ناديًا في جدول موحد، كل فريق يخوض 8 مباريات أمام 8 خصوم مختلفين، بواقع 4 مباريات على أرضه و4 خارجها، ما يخلق تنوعًا أكبر في المواجهات ويرفع منسوب التحدي منذ الجولة الأولى.
قسّم الاتحاد الأوروبي الأندية إلى أربعة أوعية، في كل وعاء 9 فرق، ويواجه كل فريق خصمين من كل وعاء، ليصل إلى ثماني مباريات متفاوتة المستوى، هذا التوزيع يجعل المسار أكثر تعقيدًا؛ فبدلًا من حسابات محدودة داخل مجموعة صغيرة، أصبح التنافس مفتوحًا بين جميع الفرق في جدول واحد تحكمه التفاصيل الدقيقة وفارق الأهداف والنقاط.
بعد نهاية المرحلة الرئيسية، يتأهل أصحاب المراكز من 1 إلى 8 مباشرة إلى ثمن النهائي، بينما تخوض الفرق من 9 إلى 16 ملحقًا أمام أصحاب المراكز من 17 إلى 24 لاستكمال عقد دور الـ16، قبل العودة إلى نظام الذهاب والإياب الإقصائي حتى النهائي، على الورق يبدو النظام أكثر عدالة وإثارة، لكنه عمليًا وسّع هامش المخاطرة؛ لم يعد بالإمكان تعويض تعثر مفاجئ بسهولة، وأي سقوط أمام خصم أقل تصنيفًا قد يكلّف الفريق موقعه بين الثمانية الكبار.
الجلاكتيكوس الحالي.. أزمة هوية للملكي أم عيب نظام؟
يملك ريال مدريد الحالي كوكبة من النجوم القادرين على حسم أكبر المباريات، فريق يُوصف بـ”الجلاكتيكوس” الجديد من حيث القيمة والأسماء والموهبة كمبابي وفينيسيوس وغيرهم، ومع ذلك، وللموسم الثاني تواليًا في ظل النظام الجديد، يفشل في دخول الثمانية الأوائل ويجد نفسه في الملحق، مؤشر لا يمكن اعتباره صدفة عابرة، بل علامة تستحق التوقف عندها.
الأزمة لا تبدو مرتبطة بمباراة بعينها أو لحظة انهيار مفاجئة، بل بمشكلة استمرارية، المرحلة الرئيسية تتطلب جمع النقاط بانتظام أمام مدارس كروية متعددة وأساليب متباينة، وهو ما لم يتحقق بالكفاءة المطلوبة، في النظام القديم، كان بإمكان فريق بحجم ريال مدريد تعويض تعثر أو اثنين داخل مجموعة محدودة، أما اليوم، فكل نقطة ضائعة تتراكم في جدول موحد يضم 36 ناديًا، ولا يمنح فرصة واسعة للتدارك.
المسألة إذًا قد تكون مزيجًا بين أزمة نظام وأزمة هوية، هل الفريق مهيأ ذهنيًا لسباق نقاط طويل، أم أنه لا يزال يتعامل بعقلية الأدوار الإقصائية حيث تتفجر طاقته الحقيقية؟ هل فقد شيئًا من صلابته التكتيكية في المباريات التي تتطلب حسمًا هادئًا بدلًا من بطولات درامية في اللحظات الأخيرة؟
ولم يكن ريال مدريد وحده في هذا المأزق، باريس سان جيرمان وجد نفسه أيضًا في الملحق، إلى جانب أندية كبيرة مثل أتلتيكو مدريد، يوفنتوس، نيوكاسل يونايتد، إنتر ميلان، بوروسيا دورتموند، باير ليفركوزن وموناكو، إضافة إلى أندية أخرى مثل جالاتا سراي وكلوب بروج وأولمبياكوس وأتالانتا وبودو جليمت وكاراباج، قائمة طويلة تؤكد أن الهيبة وحدها لم تعد كافية، وأن النظام الجديد أعاد توزيع أوراق القوة في القارة.