لجأ مشجعو كأس العالم لكرة القدم التي تستضيف الولايات المتحدة وكندا والمكسيك نسختها الثالثة والعشرين، إلى أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج أغان بكميات كبيرة دعما لمنتخباتهم، قبل انطلاق النهائيات الشهر المقبل.
ومع حصد الأناشيد الكروية التي يصنعها المشجعون ملايين المشاهدات عبر يوتيوب وتيك توك وإنستغرام، يقول خبراء إن هذه الموجة تثير تساؤلات حول ملكية الأغاني وتعويض الفنانين وتقييم الإبداع البشري.
لكن كثيرين من المستخدمين لا يبدو أنهم يكترثون، بل إن بعضهم يُظهر تفضيلا للأغاني المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي على النشيد الرسمي الذي كلف الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) الموسيقيين جيلي رول وكارين ليون بإنتاجه.
كما أُطلقت الأسبوع الماضي أغنية مرتقبة جدا لشاكيرا خاصة بكأس العالم، غير أن هوس الأغاني المُنتجة بالذكاء الاصطناعي واصل إشعال الحماسة على وسائل التواصل الاجتماعي للبطولة التي تُقام خلال شهري حزيران/يونيو وتموز/يوليو.
ويبدو أن هذا التوجه بدأ بأغنية مخصصة للمنتخب الفرنسي بعنوان "إيمباتابل"، أُطلقت في شباط/فبراير على يد الفنان كريستالو، المُدرج على منصة سبوتيفاي بوصفه "أول مُبدع موسيقي بالذكاء الاصطناعي في فرنسا".
وتبدأ الأغنية بالنداء بأسماء كيليان مبابي ونجوم آخرين من المنتخب الفرنسي.
ثم جاء نشيد برازيلي بصيغة مشابهة تعتمد ترديد الأسماء على وقع لحن "فونك" رائج، قال المنتج غييرمي مايا، المعروف فنيا باسم M4IA، إنه أنشأه عبر تركيب عناصر مختلفة جمعها بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
وسرعان ما ظهرت أعمال لمنتخبات كبرى مثل البرتغال والأرجنتين وألمانيا، إلى جانب كثير غيرها، عبر المنصات المختلفة وحصدت إشادة واسعة من المشجعين.
لكن في حين أن النسخة البرازيلية تشبه إلى حد كبير النموذج الفرنسي، قامت الأغاني اللاحقة بنسخ صيغة مايا حرفيا، حيث أعاد الجميع استخدام إيقاع الـ"فونك" نفسه مع تعداد أسماء اللاعبين قبل الدعوة إلى احترام "ملك" المنتخب، وهي سِمة حُجزت لنجوم مثل كريستيانو رونالدو في أغنية البرتغال أو ليونيل ميسي في نسخة الأرجنتين حاملة اللقب العالمي.
وقال مايا لوكالة فرانس برس "ما أراه يحدث الآن هو أقرب إلى متابعة صيحة أو محاولة إعادة خلق إحساس معيّن"، مضيفا أن المحاكاة الفنية كانت دائما موجودة في الموسيقى.
وفي حين أبدى حماسة للإمكانات التي يفتحها الذكاء الاصطناعي في الإنتاج، أقرّ بأن هذه التكنولوجيا تطرح أسئلة جديدة حول التأليف وحقوق النشر.
وأضاف "في الموسيقى، هناك قواعد واضحة. لا يمكنك ببساطة نسخ عمل شخص آخر أو استخدام عينات من دون إذن، حتى لو كان الذكاء الاصطناعي طرفا في ذلك".
- نقص في اسناد الفضل -
وشدد مايا على أنه بنى المقطوعة بنفسه واستخدم الذكاء الاصطناعي كمساعد في إنشاء عناصر معينة، بدلا من مطالبة أداة توليد موسيقى مثل "سونو" بإنتاج أغنية كاملة عبر أمر واحد.
لكن جايسون بالامارا، الأستاذ المساعد في تكنولوجيا الموسيقى في جامعة إنديانا، قال إن طبيعة النماذج الحالية تفتقر إلى الوضوح بشأن كيفية إسناد الفضل للفنانين إذا استُخدمت أعمالهم المحمية بحقوق النشر.
وقال "لا بد أن ذلك (الأناشيد والأغاني) أتى من مكان ما"، مضيفا أن التناقضات التي قد تظهر في الصور المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي يمكن أن تظهر أيضا في الموسيقى المنتَجة بهذه التكنولوجيا.
فعلى سبيل المثال، انشدت أغنية للمنتخب البرتغالي بلهجة برازيلية، بينما نُطق الاسم الأول للاعب خاميس رودريغيس في النسخة الكولومبية بلفظ إنكليزي (جيمس) بدلا من الإسباني.
وأوضح بالامارا أن الموسيقى المُنتَجة بالذكاء الاصطناعي قد تفتقر أيضا إلى التعقيد، قائلا "إنها منتج واحد مُكثف، وليس عملا تتداخل فيه مسارات متعددة، ما يمنحه نسيجا أغنى".
مع ذلك، قال مورغان هايدوك، أحد الرؤساء التنفيذيين لشركة Beatdapp المتخصصة في برمجيات حقوق الموسيقى، إن المستمعين الذين يستمتعون بأغاني كأس العالم المنتجة على يد مشجعين قد لا يبحثون عن تعقيد فني.
وأضاف "يبدو أن هناك شريحة من الناس لا تكترث حقا. يعجبهم اللحن، ويعجبهم أيضا السياق...".
وأشار إلى أنه رغم المخاوف بشأن كيفية تكيّف الصناعة مع الذكاء الاصطناعي، فإن الأغاني السريعة التي يمكن ترديدها من قبل المشجعين أو استخدامها في الإعلانات تُعد حالة استخدام واضحة للموسيقى المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي في مرحلتها الحالية.
وختم قائلا "معرفة ما الذي يدخل في ناتج مُولَّد، مثل أغنية مشجعي كأس العالم، هي المعبر الشائك الذي يتعيّن على صناعة الموسيقى عبوره الآن".