الأحد 08-02-2026
ملاعب

وعد تشيلسي يتحقق.. كيف أعاد هانز فليك منظومة برشلونة إلى القمة؟

فليك-الساعه-780x470


هانز فليك، في الحروب، لا يُقاس النصر بعدد الجنود فقط، ولا بلمعان السلاح ولا بحداثته، بل بالقائد الذي يعرف متى يُشعل المعركة ومتى يُطفئها، القائد الحقيقي لا يكون دائمًا في المقدمة شاهِرًا سيفه، بل يقف أحيانًا في الصفوف الخلفية، يراقب المشهد كاملًا، يزن اللحظة، ويقرر متى يُرفع السيف ومتى يُغمد، قرار واحد منه قد يحسم مصير جيش بأكمله، وقد يحوّل هزيمة وشيكة إلى انتصار يُدرَّس في كتب التاريخ.

اضافة اعلان

ذلك القائد هو ميزان المعركة، إن تسرّب الشك إلى صوته، تسلل الخوف إلى قلوب جنوده، وإن اهتزّ موقفه، اهتزّت الصفوف من خلفه، أما إن ثبت، فإن رجاله يتحولون إلى جدران صلبة، وإلى جبال لا تهتز أمام العواصف، في حضوره، يشعر الجندي أن هناك من يتحمل عنه العبء، ومن يرى ما لا يراه، ومن يتحمل المسؤولية حين تسقط الأقنعة وتعلو الأصوات.

رافينيا – هانز فليك – المصدر (Getty images)
هانز فليك لم يكن مجرد مدرب جلس على دكة برشلونة ليقود مباراة أخرى في موسم طويل، بل دخل كقائد معركة إلى أرض أُنهكت بالحروب السابقة، فريق متعب ذهنيًا، جماهير مشبعة بالشك والخذلان، وإدارة تبحث عن طوق نجاة قبل الغرق الكامل، نفس الرجال، نفس الأسماء، نفس الأقدام التي وطأت العشب من قبل، لكن المشكلة لم تكن في الأجساد، بل في العقول، ولم تكن في القمصان، بل في الروح التي تسكن داخلها.


برشلونة قادر على أن يلامس السحاب حين يجد من يقوده بثبات، وهو الفريق نفسه القادر على أن يُدفن تحت الأرض إن غاب ذلك القائد، المفارقة الواضحة أن العناصر لم تتغير، والوجوه لم تتبدل، لكن الاتجاه تغيّر بالكامل، الفارق لم يكن في التشكيل ولا في الأسماء المكتوبة على الورق، بل في الرجل الذي يقف خلف الخط، يقرأ المعركة، ويقودها بعقل بارد وقلب ثابت.


فليك وليلة تشيلسي.. السقوط الذي صنع التحول في برشلونة
كانت ليلة سوداء بكل ما تحمله الكلمة من معنى، سقوط مدوٍّ أمام تشيلسي بثلاثية نظيفة، نتيجة لا تعبّر فقط عن خسارة مباراة، بل عن انهيار كامل، وانكشاف مشروع بدا وكأنه يسير بلا بوصلة، تسعون دقيقة كانت كفيلة بأن تضع علامات استفهام ضخمة حول فريق فقد توازنه، وحول حلم بدا مهددًا بالضياع قبل أن يكتمل.
في مثل هذه الليالي، اعتاد الجمهور أن يرى المدربين يفرّون من أمام عدسات الكاميرات، يتحصنون خلف شماعات جاهزة: تحكيم ظالم، ضغط مباريات، إرهاق، إصابات، أو العبارة المفضلة دائمًا “نحن في مرحلة بناء” كلمات تُقال لتخفيف الغضب، لكنها لا تعالج الجرح، ولا تعيد الثقة إلى فريق مكسور.
أنا المسؤول عن هذه الخسارة


لكن هانز فليك لم يكن من هذا الصنف، خرج إلى الكاميرات بوجه ثابت وصوت هادئ، وتحمّل المسؤولية كاملة دون تردد، قالها بوضوح لا يحتمل التأويل، جملة قصيرة، لكنها كانت أثقل من النتيجة نفسها، لأنها أعادت تعريف من يتحمل العبء في لحظات الانكسار.
فليك لم يرمِ لاعبيه تحت الحافلة، ولم يطلب صبرًا فارغًا من الجماهير، ولم يختبئ خلف أعذار مستهلكة، بدلًا من ذلك، قدّم وعدًا، وعدًا مختلفًا، لا يعتمد على الزمن ولا على الحظ، بل على العمل والتغيير، وعد أن برشلونة، منذ تلك الليلة، لن يكون كما كان وأن السقوط، هذه المرة، لن يكون نهاية الطريق، بل بداية التحول.

هانز فليك والوعد الذي تحوّل إلى أرقام
منذ تلك الليلة الفاصلة، لم يتغير اسم الفريق، ولم تتبدل القمصان، ولم تُمحَ الشعارات من على الجدران لكن كل ما هو داخل الملعب تغيّر بالكامل، كأن تصريح فليك لم يكن مجرد كلمات قيلت أمام الكاميرات، بل مفتاحًا أدار به عقل الفريق، فانتقل برشلونة من حالة الشك إلى حالة الإيمان، ومن التذبذب إلى السيطرة.
برشلونة ما بعد تصريح فليك لم يعد فريقًا يترنح مع أول ضربة، بل أصبح آلة تعرف طريقها جيدًا، ثماني عشرة مباراة لعبها الفريق، خرج منها منتصرًا في سبع عشرة، ولم يتعثر سوى مرة واحدة، أرقام قاسية على المنافسين، وصادمة لكل من اعتقد أن ما حدث بعد تشيلسي لن يكون سوى رد فعل مؤقت، تصدّر المشهد محليًا، ورفع كأس السوبر، وحجز مقعده بين الثمانية الكبار في دوري أبطال أوروبا، ثم واصل الزحف حتى بلغ نصف نهائي الكأس بثبات وثقة.


هذه السلسلة لم تأتِ من فراغ، ولم تكن نتاج حماس لحظي أو دفعة معنوية عابرة، ما يحدث على أرض الملعب هو ترجمة مباشرة لوعد قُطع، وخطة نُفذت، وانضباط فُرض، الفريق صار يعرف متى يضغط، ومتى يهدأ، وكيف يقتل المباراة دون فوضى، كل خطوة محسوبة، وكل تفصيلة لها معنى.
لذلك، لا يمكن اختزال ما يعيشه برشلونة في كلمة “طفرة”، ولا تصنيفه كصدفة سعيدة، ما نراه هو عمل مدرب يعرف ماذا يفعل، ويدرك أن كرة القدم لا تُدار بالعاطفة وحدها، بل بالعقل، والقرارات الشجاعة، والقدرة على تحويل الوعود إلى حقائق تُكتب بالأرقام.
تحول ذهني قبل أن يكون تكتيكيًا في برشلونة.. والسبب فليك
قبل قدوم فليك، كان برشلونة فريقًا يمكن التنبؤ به بسهولة، وتحديدا في نهاية فترة تشافي هيرنانديز، الفريق كان يقدم  كرة جميلة؟ نعم، استحواذ وهيمنة على الكرة؟ في كثير من الأحيان، لكن كل ذلك كان بلا أنياب حقيقية، فريق يلعب، يصنع، يصل إلى مناطق الخصم، ثم يتوقف عند اللحظة الحاسمة، اللمسة الأخيرة كانت غائبة، والتركيز كان يتبخر أمام المرمى، وكأن التسجيل خيار ثانوي لا ضرورة ملحّة له.