الثلاثاء 21-04-2026
ملاعب

خطيئة بيريز.. هل المدرب هو مشكلة ريال مدريد حقًا؟

4dba20f8-0c65-42a6-8246-474c99b2ada2


في الطابق العلوي من مقر “فالديبيباس” يسود نوعٌ خاص من الهدوء، ذلك الهدوء الذي يسبق العواصف التي تغيّر وجه التاريخ في ريال مدريد؛ فلورنتينو بيريز، الرجل الذي أعاد تعريف كرة القدم كصناعة للمجد والأرقام، يجلس اليوم في مواجهة أصعب خصومه: “مرآة الحقيقة”، فلم تعد الأزمة مجرد خسارة مباراة أو خروج مرير من دوري الأبطال على يد بايرن ميونخ، بل هي أزمة “هوية” تضرب جذور البيت الأبيض.
اضافة اعلان

بيريز، الذي طالما آمن بأن ريال مدريد هو نادٍ يُدار بالهيبة والنجوم، يجد نفسه اليوم مضطرًا لممارسة “النقد الذاتي” في غرفه المغلقة، معترفًا بأن الرهان العاطفي على أبناء النادي، تشابي ألونسو وألفارو أربيلوا، كان مقامرة خسر فيها الكثير من الوقت، وقليلًا من الكبرياء الإداري.

هذا الاعتراف الصامت بأن تعيين “الأبناء” كان خطأً شخصيًا، لا يأتي من فراغ، ففي مدريد، لا يُقاس النجاح بجمال النوايا، بل بوزن الذهب في ساحة “سيبيليس”، والواقع يقول إن خزائن النادي، رغم امتلائها بكؤوس السوبر والإنتركونتيننتال، باتت تشكو من جفاف الألقاب الكبرى لموسمين متتاليين؛ وهي سابقة في عهد بيريز الحديث تثير القلق خلف الكواليس.

لكن، وفي التفاتة درامية تشبه أسلوب الحكم الشمولي، يرفض “القرش” الإسباني إلقاء اللوم على “التركيبة البشرية” للفريق. في ذهن فلورنتينو، هؤلاء اللاعبون هم “الأفضل في العالم” بلا منازع، وهم ضحايا لضعف “القيادة الفنية” التي لم تكن تمتلك المشرط المناسب لتشريح إمكاناتهم.

بينما يتردد صدى أسماء مثل كلوب، ديشامب، وبوتشيتينو في أروقة النادي كمنقذين محتملين، يبدو أن السؤال الحقيقي ليس من سيدرب ريال مدريد؟، بل بأي عقلية سيُدار هذا المدرب؟، إنها معضلة “قائد الأوركسترا” الذي يُطلب منه عزف سيمفونية عالمية بأدوات فُرضت عليه سلفًا، وسط مناخ يمنع المساس بالنجوم ويرى في التغيير الجذري “ثورة” لا يحتاجها النادي.

بيريز وحده يملك الإجابة، وهو الآن يوازن بين رغبته في مدرب “توب” يسيطر على غرفة الملابس، وبين قناعته الراسخة بأن الفريق الحالي هو “كمال كروي” يحتاج فقط إلى مجرد “لمسة” فنية أخيرة، وبين هذا وذاك، يقف مشجعو الملكي متسائلين: هل المشكلة حقًا فيمن يقف خلف خط التماس، أم في نظام “الجالاكتيكوس” الذي أصبح يقدّس النجوم على حساب المنظومة، تمامًا كما حدث في نهاية حقبة أنشيلوتي التي شهدت فشلًا ذريعًا رغم وجود مبابي وفينيسيوس؟ في مدريد، الصيف القادم لن يكون سوقًا للاعبين، بل سيكون محاكمة علنية لمفهوم “المدرب” في عقل فلورنتينو بيريز.


فخ الكمال الموهوم.. هل يطارد بيريز سرابًا؟
في قلب الأزمة المدريدية الحالية تكمن قناعة راسخة لدى فلورنتينو بيريز، قناعة قد تكون هي ذاتها “كعب أخيل” الذي يهدد استقرار النادي: الإيمان المطلق بأن هذه المجموعة من اللاعبين لا تشوبها شائبة، بالنسبة للرئيس، فإن قائمة الفريق الحالية هي مجموعة من الجواهر الخام التي لا تحتاج سوى إلى “صياد” ماهر يعرف كيف يضع كل جوهرة في مكانها الصحيح لتضيء المنصة.

هذا التحليل، رغم جاذبيته التسويقية، يتجاهل حقيقة تقنية مرة؛ وهي أن تراكم الموهبة لا يعني بالضرورة بناء “فريق”. إن دفاع بيريز المستميت عن جودة اللاعبين وتبرئتهم من الإخفاق يضع المدرب القادم – أيًا كان اسمه – في موقف “الساحر” المطالب بتقديم العروض دون امتلاك العصا السحرية.

لقد رأينا هذا الفيلم من قبل، وبجودة “4K” في الموسم الأخير لكارلو أنشيلوتي، حينها، كان “الميستر” يمتلك ترسانة هجومية مرعبة يقودها كيليان مبابي وفينيسيوس جونيور، ومع ذلك انتهى الموسم بصمت جنائزي في غرف الملابس وصفر كبير في سجل البطولات الكبرى.

السؤال الذي يرفض الجميع طرحه في “فالديبيباس” هو: إذا كان أنشيلوتي، وهو المعلم الأول في “فن إدارة الأزمات” و”احتواء الأنا” لدى النجوم، قد عجز عن إيجاد التوازن، فهل العلة حقًا في هوية المدرب؟ أم أن الخلل يكمن في بنية الفريق التي صُممت لبيع القمصان وتصدر العناوين أكثر مما صُممت لتغطية المساحات في التحولات الدفاعية؟ إن محاولة بيريز للهروب من فكرة “الثورة” والتمسك بـ”الاستقرار الهش” تشبه محاولة إصلاح تصدعات ناطحة سحاب بطلاء الجدران؛ قد تبدو جميلة من الخارج، لكن الأساسات لا تزال تهتز عند أول اختبار حقيقي في ليالي الأبطال.

عقلية الموظف المطيع.. أربيلوا ووراثة جينات أنشيلوتي
لم يكن اختيار ألفارو أربيلوا لخلافة ألونسو مجرد “حل مؤقت”، بل كان محاولة من بيريز لاستعادة السيطرة الفكرية على غرف الملابس؛ أربيلوا، “الجندي الوفي” للنادي، دخل المهمة وهو يحمل نفس “كتيب التعليمات” الذي تركه أنشيلوتي: “اللاعبون هم الكل في الكل”.

هذا الخطاب الذي يقدّس النجوم ويمنحهم الحصانة من النقد العلني كان هو السبب الرئيسي في بقاء أربيلوا في منصبه رغم النتائج الكارثية حيث خسر 7 مباريات من أصل 21، وهو رقم أكبر من هزائم ألونسو الذي قاد عدد مباريات أكثر، لقد وجد بيريز في أربيلوا “صدى لصوته”؛ مدربًا لا يطالب بصفقات تكتيكية معقدة، ولا ينتقد سياسة الإدارة في بناء الفريق، بل يتعامل مع الواقع بـ”رومانسية مفرطة” ترى في الروح القتالية بديلًا عن الجمل التكتيكية المنظمة.

لكن الأرقام لا تملك قلبًا، وهي لا تجامل “أبناء النادي”، نسبة الخسارة التي بلغت 33% ليست مجرد كبوة، بل هي إعلان رسمي عن فشل “موديل” المدرب الصامت الذي يكتفي بالتحفيز النفسي؛ أربيلوا، بوعي أو بدون وعي، سقط في فخ “التبعية الفنية”؛ حيث لم يجرؤ على تغيير رسم تكتيكي أو وضع نجم كبير على الدكة لإعادة التوازن للوسط، خوفًا من خدش كبرياء “مشروع الرئيس”.

هذه العقلية هي التي أدت بنا إلى طريق مسدود: لا فنيات تتطور، ولا نتائج تتحسن، ولا حتى “شخصية بطل” تظهر في المواعيد الكبرى، وبقاء أربيلوا لم يكن تقديرًا لكفاءته بقدر ما كان “هروبًا إلى الأمام” من اعتراف بيريز بأن المشكلة أعمق من مجرد شخص يجلس على المقاعد الفنية.

طاولة المقامرة.. هل يبحث بيريز عن مدرب أم معجزة؟
خلف الستار الحديدي لقرارات مدريد، لم يعد السؤال هو من سيأتي؟ بل ما الذي سيُسمح له بفعله؟ فقائمة الأسماء التي تتردد في مكاتب “فالديبيباس” هي انعكاس لصراع داخلي في عقل فلورنتينو بيريز بين رغبته في السيطرة المطلقة وحاجته الماسة لإنقاذ كبريائه الرياضي، اختيار المدرب القادم في ريال مدريد يشبه محاولة حل معادلة بمتغيرات متناقضة؛ فالرئيس يريد “شخصية عالمية” تملأ مقعد البدلاء هيبة، لكنه في الوقت ذاته يريد “موظفًا مثاليًا” لا يعترض على سياسة التعاقدات ولا يطالب بثورة في تشكيلة “الجالاكتيكوس” التي يراها بيريز مقدسة.

يظر اسم الألماني يورجن كلوب كأول خيار، وهو ليس مجرد مدرب، بل “إعصار” تكتيكي ونفسي، إذا وضع بيريز يده في يد كلوب، فإنه يعلن رسميًا نهاية حقبة “الدلال الكروي” في مدريد؛ كلوب يمثل مدرسة “Heavy Metal Football”، حيث الركض ليس خيارًا بل هو ضريبة البقاء في الملعب، التحليل العميق لخياره يكشف عن تناقض جوهري؛ فنجوم مدريد الحاليون، وعلى رأسهم مبابي، اعتادوا على منظومة تُفصَّل الأدوار الدفاعية على مقاس راحتهم، بينما يرى كلوب أن النجم الأول هو الضغط العكسي.