لم يكن أشد المتشائمين في مدرجات النصر يتوقع أن تتحول قمة الرياض في ملعب “المملكة أرينا” إلى كابوس تكتيكي بهذه السرعة، في أجواء مشحونة بالتوتر والترقب، وحيث كانت الأعصاب مشدودة كأوتار الكمان، جاءت اللحظة التي حبست أنفاس الآلاف، احتكاك بدا عابراً بين الحارس الشاب نواف العقيدي ونجم الهلال روبين نيفيز، تحول في ثوانٍ معدودة إلى مشهد درامي سيظل محفوراً في ذاكرة الديربي طويلاً.
اضافة اعلانالحكم الفرنسي فرانسوا ليتكسير، الذي حاول ضبط إيقاع المباراة بإنذارين، وجد نفسه أمام شاشة تقنية الفيديو “الفار” التي كشفت تفاصيل لم ترها العين المجردة في وهلة الغضب الأولى. وبعد لحظات من الصمت الثقيل، عاد ليتكسير ليلغي البطاقة الصفراء ويشهر البطاقة الحمراء المباشرة في وجه العقيدي، معلناً عن طرد لم يخرج اللاعب من الملعب فحسب، بل أدخله تاريخ الدوري السعودي من أضيق أبوابه.
خرج العقيدي مطأطأ الرأس، تاركاً شباكه وعرينه في مهب الريح، بينما كان الفريق النصراوي يحاول استيعاب الصدمة، لم يكن هذا الطرد مجرد نقص عددي، بل كان كسراً لقاعدة استمرت لسنوات طويلة في مواجهات الغريمين، وإعلاناً عن مرحلة جديدة من المباراة تتطلب صموداً أسطورياً أمام طوفان الهلال الهجومي.
سابقة تاريخية.. الحارس الأول في قائمة المطرودين
تكتسب بطاقة العقيدي الحمراء أهميتها القصوى ليس فقط لتأثيرها الآني على نتيجة المباراة، بل لكونها حدثاً غير مسبوق، فبحسب سجلات رابطة الدوري السعودي للمحترفين، أصبح نواف العقيدي أول حارس مرمى في تاريخ “ديربي الرياض” يتلقى البطاقة الحمراء.
ظلت حراسة المرمى في مواجهات الهلال والنصر لسنوات طويلة بعيدة عن مقصلة الطرد، حيث كانت البطاقات الحمراء من نصيب المدافعين ولاعبي الوسط، إلى أن جاءت هذه الليلة لتكسر القاعدة، وتضع العقيدي وحيداً في خانة تاريخية لم يسبقه إليها أحد من حراس الفريقين الكبيرين.
البطاقة الأولى في المسيرة.. توقيت قاسٍ
تزداد مرارة هذا الطرد عند النظر إلى السجل الشخصي للحارس الشاب. فهذه هي المرة الأولى في مسيرة نواف العقيدي الكروية التي يتعرض فيها للطرد. لطالما عرف الحارس بانضباطه وهدوئه، لكن ضغط الديربي وحساسية الموقف أمام منافس بحجم الهلال، دفعاه لارتكاب الهفوة الأولى، والتي جاءت تكلفتها باهظة جداً عليه وعلى فريقه.
تاريخ البطاقات الحمراء في الديربي.. الهلال يتفوق
بالنظر إلى التاريخ العام للمواجهات المباشرة بين القطبين في دوري المحترفين، نجد أن اللون الأحمر حضر في 13 مناسبة سابقة. والمفارقة هنا أن الهلال هو الطرف الأكثر تضرراً تاريخياً من الطرد في الديربي، وليس النصر.
الجدول التالي يوضح توزيع البطاقات الحمراء الـ 13 في تاريخ ديربي الرياض بالدوري:
الفريق عدد البطاقات الحمراء في الديربي
الهلال 8
النصر 5
الإجمالي 13 بطاقة
رغم أن التاريخ يشير إلى أن لاعبي الهلال هم الأكثر عرضة للطرد في هذه القمم (8 حالات مقابل 5 للنصر بعد طرد العقيدي)، إلا أن واقعة اليوم جاءت لتزيد من أوجاع النصر، وترفع رصيده في “قائمة العقوبات” في توقيت لا يقبل التعويض.
تاريخ البطاقات الحمراء.. النصر بين الضحية والجلاد
تفتح واقعة طرد العقيدي الباب واسعاً لقراءة متأنية في سجلات الدوري السعودي للمحترفين، وتحديداً فيما يخص الانضباط والاستفادة من أخطاء المنافسين. المثير في لغة الأرقام أن النصر، الذي يعاني اليوم من النقص العددي، يُعد تاريخياً واحداً من أقل الأندية الكبرى تلقياً للبطاقات الحمراء مقارنة بمنافسيه المباشرين، حيث يحتل مرتبة متأخرة في قائمة الأندية “الأكثر عنفاً”.
وفيما يلي جدول يوضح الأندية الأكثر حصولاً على البطاقات الحمراء في تاريخ الدوري، مما يظهر بوضوح أن النصر ليس معتاداً على هذا السيناريو مقارنة بالشباب أو الاتحاد:
الترتيب النادي عدد البطاقات الحمراء
1 الشباب 68
2 الاتحاد 60
3 الفتح 59
4 الأهلي 56
5 الرائد 52
6 التعاون 50
7 النصر 48
8 الاتفاق 42
المفارقة الرقمية.. النصر “المستفيد الأكبر” تاريخياً
على الجانب الآخر من العملة، تكشف الإحصائيات مفارقة عجيبة. فبينما يخرج النصر اليوم متضرراً من طرد حارسه، إلا أنه يتربع منفرداً وبفارق شاسع على عرش الأندية الأكثر استفادة من طرد لاعبي الخصوم في تاريخ الدوري.
الرقم مذهل، حيث استفاد النصر من 109 حالات طرد، وهو رقم يقارب ضعف ما استفاد منه أقرب ملاحقيه (الفتح والهلال)، مما يعكس ضراوة هجوم النصر تاريخياً التي تجبر المدافعين على ارتكاب الأخطاء المستوجبة للطرد.
الترتيب النادي عدد حالات الاستفادة من الطرد ملاحظات
1 النصر 109 المستفيد الأول بفارق شاسع
2 الفتح 64 الوصيف
3 الشباب 59
4 الهلال 54 الخصم الحالي
5 الأهلي 50
6 الرائد 49
6 (مكرر) الاتحاد 49
8 التعاون 46
9 الاتفاق 45
صافرة ليتكسير وجدل لا ينتهي
بالعودة إلى تفاصيل الميدان، لم تكن حالة الطرد هي الحدث الوحيد الذي جعل الحكم الفرنسي فرانسوا ليتكسير تحت المجهر. فقد شهدت المباراة سلسلة من القرارات الجدلية التي زادت من سخونة الأجواء. الاحتكاكات البدنية القوية كانت عنواناً للديربي، وتباينت التفسيرات القانونية لقرارات الحكم بين الفريقين، مما جعل كل صافرة تطلق مشروع أزمة جديدة داخل المستطيل الأخضر.
واقعة العقيدي ونيفيز لم تكن مجرد احتكاك عابر، بل كانت تجسيداً للضغط النفسي الهائل الملقى على عاتق اللاعبين في مثل هذه المباريات المصيرية. قرار تحويل الإنذار إلى طرد بعد العودة لتقنية الفيديو أثبت أن التكنولوجيا باتت الحاكم الفعلي الذي لا يرحم الهفوات، وأن لحظة تهور واحدة كفيلة بقلب موازين القوى وهدم خطط المدربين بالكامل.
الآن، ومع استكمال النصر للمباراة منقوصاً، يبقى السؤال المعلق: هل ستكون هذه البطاقة الحمراء رقم 48 في تاريخ النصر مجرد رقم عابر، أم ستكون السبب المباشر في خسارة “العالمي” لنقاط الديربي الثمينة؟ الأرقام رصدت التاريخ، لكن الميدان وحده من سيكتب النتيجة النهائية لهذه الملحمة.